حنين مشدود على أوتار الربابة
الجدار الذي يفصل بيننا ودار جدي قصير إلى الحد الذي لا يحجب شخصا واقفا.
وكان خالي أبوحميد عليه الرحمة، لديه ربابة أبدع في زينتها، كما حباه الله بأنامل تعرف كيف تستنطق أوتارها.. صوتها يهدهد ليالي القرية ويدس الفرح في أجفان أهلها .
عند أول رنة وتر، كنت أقفز الحائط لأجلس بجواره وهو يطارد لحنا في خياله، وما إن يمسك بطرفه حتى يبدأ في تقطيع نياط الليل الهادئ.. كان الغمام العابر يحجب جزءا من ضوء القمر فيُسقط على جلستنا ظلالا من نور وسرعان ما يتقاطر السُمار.
كان صوته دافئا، يتماهى في حنينه مع صوت الطمبور ثم ينسرب في مفاصل القرية بيتا بيتا، حاملا شيئا من الدفء والحب والاطمئنان...كان يسكب في نفوسنا قدرا من السعادة، ظل بعضه رغم كل ما مضى، عالقا بأهداب أرواحنا.
كانت جدران البيوت يومها تُقام لتستر بعض التفاصيل وليس لتفصل بين القلوب.. تحفظ للدار حرمتها وتترك للجار ممرا للطمأنينة تعبر منه نداءات الصغار والإحساس بأن خلف ذلك الجدار أناساً يكفي أن يكونوا قريبين حتى تشعر أن الدنيا بخير ..كانت الجدران قصيرة لأن القلوب لم تكن تحتاج إلى جدران عالية..
وحين يبدأ القمر يميل نحو الغروب وينفض الليل عباءته وتبرد الأنسام ينادي خالي الخير وهو يتمايل من شدة الطرب:
اختم لينا بالنعام آدم...
فيأتي صوت أبوحميد منسابا مع النسمة والوتر الحنين:
لا شوفتن تبل الشوق ولا ردا يطمن
أريتك تبقى طيب إنت، أنا البي كلو هين
قليبا لي رهيف عارفو مابيحمل حنين
بعض الليالي تظل عالقة في الذاكرة وتطل علينا كلما اشتقنا إلى زمن كان فيه الفرح بسيطا والناس أكثر قربا والقلوب أقل ثقلا وأكثر طمأنينة ..

