كًتاب ومقالات

مقام العودة - عثمان عربي: مريا

مقام العودة - عثمان عربي: مريا

مريا

ليست امرأة دخلت القصيدة
بل قصيدة دخلت امرأة
ومنذ اللحظة التي نطق فيها صلاح احمد ابراهيم باسمها لم يعد الاسم مجرد اسم
مريا
صوت خفيف لكن تحته هاوية


يا مريا
النداء الاول ليس بداية كلام
انه اول لمسة
كأن الشاعر لا يراها بل يتحسس وجودها بالصوت
ثم يعيد الاسم
لان مريا لا تكفيها مرة واحدة
بعض الاسماء حين ننطقها نستدعي اصحابها
وبعضها حين ننطقها نستدعي زمنا كاملا
ليت لي ازميل فدياس
هنا يولد العجز
الشاعر يرى شيئا لا تستطيع اليد ان تمسكه
فيستدعي فدياس ذلك الذي كان يعرف كيف يجعل الحجر يتنازل عن صمته
لكن مريا ليست حجرا
وهذه هي الورطة
الحجر يمكن نحته
اما الجمال الحي فكلما حاولت تثبيته هربت منه الحياة
وروح عبقريا
فهو لا يريد مهارة النحات فقط
يريد الروح التي ترى قبل ان تضرب الازميل
لان المشكلة ليست كيف يصنع وجه مريا
بل كيف يصنع ذلك الارتباك الذي حدث له امام وجهها
وامامي تل مرمر
المرمر حاضر
ابيض بارد ابدي
ومريا امامه حارة متحركة عابرة
فيضع الفاني امام الابدي
ثم يحاول ان يهزم الزمن بفن
يا لها من معركة خفية
لنحت الفتنة الهوجاء
لم يقل جمالك
لان الجمال يمكن التامل فيه
اما الفتنة فتقتحمك
والهوجاء انها لا تمشي في نظام
تأتي دفعة واحدة
تربك العين والقلب واللغة
تمثالا مقنطر
حتى الجسد يصبح معمارا
لكن معمارا لا يسكنه احد
قوسا من الضوء وانحناءة من رغبة وتوازنا دقيقا بين ما يظهر وما يختبئ
ثم الشعر
كالشلال
لا يصفه بل يطلقه
الشعر عنده حركة وسقوط وانفلات
وبعضه يلزم الكتف وبعضه يتبعثر
حتى الفوضى تصير جزءا من هندسة الجمال
وهنا يقترب الشاعر من شيء بالغ الدقة
انه لا يحب مريا لانها مكتملة
بل لان شيئا منها دائما يفلت
وعلى الاهداب ليل يتعثر
ليست عينا جميلة
بل ليل فقد توازنه عند حافة العين
ثم
لغز لا يفسر
وهنا يتراجع الشاعر خطوة
لانه يعرف ان الجمال حين يفسر كله يموت
الشيء الذي لا نفهمه هو الذي يبقى يعمل فينا
وعلى الخدين نور يتكسر
ليس وجهها مكانا يسقط عليه الضوء
انها هي التي تكسر الضوء
كأن النور حين يلامسها لا يبقى كما كان
وعلى الاسنان سكر
فتنتقل الصورة من العين الى اللسان
الجمال صار شيئا يذاق
ثم ينقلب المشهد
فم كالاسد الجوعان زمجر
بعد السكر الجوع
بعد الرقة الحيوان
وهنا لا يعود الشاعر يرسم ملاكا
انه يرى المرأة بكل قوتها الغامضة
الرغبة لا الزينة
ينادي شفة عطشى واخرى تتحسر
المسافة بين الشفتين تصير اهم من الشفتين
لان القصيدة هنا لا تقول ما حدث
تتركنا امام ما كاد يحدث
وما كاد يحدث قد يكون احيانا اشد بقاء من الذي حدث
وحزاما في مضيق
يضيق المكان
يضيق الحزام
وتضيق العبارة
ثم يضيق القياس نفسه
كلما حاول ان يقيس الخصر اكتشف ان الجمال اصغر من الارقام واكبر منها في الوقت نفسه
ما لعشرينين باتت في سعير تتقلى
هنا لا تكون العشرون عمرا
تصير نارا
مريا ليست في العشرين
العشرون نفسها تشتعل فيها
ترتدي ثوب عزوف
وهنا تظهر المسافة
كل هذا الحضور ثم الامتناع
كل هذا القرب ثم شيء لا يمكن بلوغه
وكان الشاعر يعرف ان الرغبة لا تعيش على القرب وحده
تحتاج شيئا يبقى بعيدا
ثم يعود الى فدياس
لكنت ابدعتك يا ربة حسن
كأن المرأة العابرة حين يخشى الرجل فقدها تصعد في خياله الى مرتبة الاسطورة
ليس لانه امتلكها
بل لانه لم يستطع
في يدي
وهذه العبارة الصغيرة موجعة
في يدي
كأنه يتخيل للحظة ان الفن يستطيع ان يمنحه ما لا تمنحه الحياة
ان يمسك الجمال ولو مرة واحدة
ثم يأتي صوت حمد الريح
وهنا لا يعود الصوت وسيلة لغناء النص
يصير جزءا من معناه
في ادائه لمريا هناك شيء لا يشرح الكلمات بل يفتح تحتها فراغا
المد في النداء يجعل الاسم يبدو بعيدا
واللين في العبارة لا يجعلها رخوة بل يجعلها اكثر حسرة
كأن المغني لا يغني عن مريا
كأنه يتذكرها
وهذا فرق هائل
الغناء هنا ليس عرضا لصوت جميل
انما هو صوت رجل يحاول ان يمسك شيئا كان قد افلت منه
فتصبح النغمة نفسها نوعا من الازميل
ضربة بطيئة على الذاكرة
ثم ضربة اخرى
حتى لا يبقى من مريا الا حضورها الغائب
وربما لا نلتقي بعد ذلك يا مريا
هنا تنكشف القصيدة
كل ما سبق كان تأجيلا لهذه اللحظة
النحت والمرمر والشعر والعين والشفاه والحزام
كلها كانت محاولات لتأجيل كلمة واحدة
الفراق
فتعالي
ليست امرا
انها رجاء
تعالي قبل ان يصبح اللقاء ذكرى
واطبعي اسمك باحرف
هنا يتخلى الشاعر عن المرمر
عرف ان الحجر لن ينقذه
فطلب الحروف
الحجر يحفظ الملامح
لكن الحرف يحفظ الغياب
وقولي وداعا
حتى الوداع يريد ان يسمعه منها
كأن الانسان حين يعرف انه سيفقد لا يطلب بقاء الاخر فقط
يطلب منه ان يمنحه شكلا للفقد
وهنا يأتي صوت حمد الريح مرة اخرى لا ليغلق الاغنية بل ليترك الباب مواربا
لان الاغنية لا تنتهي حين يقول وداعا
بل تبدأ مريا في مكان اخر
في الاذن
في الذاكرة
في ذلك الحزن الجميل الذي لا نعرف لماذا نحبه
ولهذا
مريا ليست تمثالا
لان التمثال ينتهي عند شكله
وليست امرأة فقط
لان المرأة تمضي
وليست اغنية
لان الاغنية تنتهي
مريا هي اللحظة التي يعجز فيها الانسان عن الاحتفاظ بما يحب
فيحول عجزه الى فن
صلاح احمد ابراهيم حاول ان ينحتها بالكلمة
وحمد الريح اعطاها نفسا
وبين الازميل والصوت خرجت مريا من الحجر
لا كامرأة من مرمر
بل كشيء اخطر
كذكرى
والذكرى لا تحتاج جسدا كي تعيش
يكفيها اسم
مريا

Related Articles

إلي أن نلتقي - قسم خالد

إلي أن نلتقي - قسم خالد

البطاقات المتعمدة

آكشن كورة

اكشن كورة هي الصحيفة الرياضية الرائدة في مجال الرياضة المحلية والعالمية والتقارير الرياضية مع نخبه من آميز الكتاب والصحفيين المتخصصين في المجال الرياضي