الجمعية السودانية الأمريكية في شيكاغو.. مبادرات إنسانية تعبر المحيط إلى السودان
تقرير: أ.د. عثمان الحسن – شيكاغو
في إحدى حدائق ضاحية شامبيرج الجميلة بمدينة شيكاغو الكبرى، أتيحت لي فرصة للقاء مجموعة
من المستنيرين من أعضاء المكتب التنفيذي للجمعية السودانية الأمريكية بمدينة شيكاغو الكبرى (Greater Chicago Sudanese American Association)، وهي جمعية سودانية أمريكية مسجلة في الولايات المتحدة وفق نظام المنظمات غير الربحية (501(c)(3).
جاء اللقاء بتنظيم كريم من عضو الجمعية الأستاذ ناصر محمد حسن شطة، الذي أحاط ضيوفه بحفاوة سودانية أصيلة وكرم يعكس روح المجتمع السوداني في المهجر. وكان في مقدمة الحضور المستشار الاقتصادي زاهر حمد وشقيقه الأستاذ أبوبكر حمد، إلى جانب الأستاذ ناصر وشقيقه أيمن، حيث امتد اللقاء إلى حوار ثري حول نشأة الجمعية وأهدافها ومشروعاتها الإنسانية داخل السودان.
جمعية ولدت من رحم الأزمة
أوضح رئيس الجمعية، الأستاذ علي الخطيب، أن الجمعية تأسست في فبراير 2024م، بعد أشهر من اندلاع الحرب في السودان، استجابة للحاجة المتزايدة إلى المساعدات الإنسانية والإغاثية، وسعياً إلى حشد طاقات السودانيين في الولايات المتحدة لخدمة المتضررين من الحرب.
وتتركز أهداف الجمعية في تقديم المساعدات والإغاثة، وتعزيز خدمات الصحة والتغذية والتعليم في معسكرات النزوح ودور الإيواء، والمساهمة في توفير مياه الشرب النظيفة وحفر الآبار، إلى جانب توفير المستلزمات الضرورية للقطاعات الأكثر احتياجاً.
ولا تقتصر رؤية الجمعية على العمل الإغاثي داخل السودان، إذ تسعى كذلك إلى بناء روابط قوية مع المجتمع الأمريكي المحلي، من خلال المشاركة المجتمعية الفاعلة وتعزيز حضور السودانيين في مجتمعهم الجديد، بما يفتح آفاقاً أوسع للعمل الإنساني والتكافل المجتمعي.
مشروعات تتجاوز حدود الجغرافيا
من جانبه، أوضح المهندس محمد فاروق، مسؤول التخطيط الاستراتيجي بالجمعية، أن حداثة تأسيسها لم تمنعها من تنفيذ عدد كبير من المشروعات خلال الفترة من 2024 إلى 2026م.
وشملت هذه المشروعات توفير الغذاء والعلاج للأسر النازحة، وحفر عدد من الآبار لتوفير مياه الشرب النظيفة، وتأهيل مستشفيات ومراكز صحية، إلى جانب إعادة إعمار عدد من المدارس وتوفير احتياجاتها الأساسية.
وامتدت أنشطة الجمعية إلى عدد من المدن والقرى السودانية، من بينها كسلا، والقضارف، والأبيض، وود مدني، وسنار، وشندي، والخرطوم، والدندر، ودنقلا، وأم درمان، والثورات وغيرها من المناطق المتأثرة بالحرب وتداعياتها الإنسانية.
ولتنفيذ هذه المشروعات، استعانت الجمعية بعدد من المنظمات والجمعيات الخيرية المحلية، من بينها جمعية أهل الخير بالأبيض، وجمعية مبادرون بمدينة شندي، وجمعية السلام والإغاثة والتنمية بمدينة ود مدني، وغيرها من الجمعيات المعتمدة لدى مفوضية العون الإنساني.
750 ألف دولار لمشروعات إنسانية
وبحسب تقرير الجمعية، فقد بلغت التكلفة الإجمالية للمشروعات التي نفذتها خلال الفترة الماضية نحو 750 ألف دولار أمريكي، وهو رقم يعكس حجم الجهد الذي بذله أعضاء الجمعية في حشد الموارد والتبرعات خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
وأوضح أمين مال الجمعية، الأستاذ إسماعيل عثمان، أن موارد الجمعية تعتمد بصورة أساسية على اشتراكات الأعضاء وتبرعاتهم، إلى جانب التبرعات الخيرية وحملات جمع التبرعات المنظمة وسط أبناء الجالية السودانية والجاليات الأخرى.
وتكشف هذه الآلية عن نموذج مهم للعمل الأهلي في المهجر، يقوم على تحويل الروابط الاجتماعية والانتماء إلى الوطن إلى مبادرات عملية تسهم في تخفيف آثار الأزمة الإنسانية التي يعيشها السودان.
مشروعات جديدة على الطريق
وفي إطار خطتها المقبلة، تستعد الجمعية لتنفيذ مجموعة جديدة من المشروعات خلال الأشهر القادمة، من بينها تأهيل مستشفى شندي التعليمي بتكلفة تبلغ 85 ألف دولار، وتأهيل مركز صحي بريف شندي بتكلفة 12 ألف دولار، وتأهيل مركز صحي أبروف بأم درمان بتكلفة 12 ألف دولار، إلى جانب حفر آبار في عدد من قرى ولاية النيل الأبيض بتكلفة تقدر بنحو 40 ألف دولار.
وتؤكد هذه المشروعات أن الجمعية لا تنظر إلى العمل الإنساني باعتباره استجابة مؤقتة للطوارئ فحسب، وإنما تسعى كذلك إلى دعم الخدمات الأساسية في المجتمعات المحلية، ولا سيما في مجالات الصحة والمياه والتعليم.
85 ألف مستفيد من المبادرات
وخلال نحو عامين من العمل المتواصل، تمكنت الجمعية، وفقاً لما عرضه مسؤولوها، من تقديم خدمات في مجالات الإعاشة والصحة والتعليم وتوفير مياه الشرب النظيفة لما يقارب 85 ألف شخص في عدد من المدن والقرى السودانية.
وهي جهود تستحق التقدير، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان، وما ترتب على الحرب من نزوح واسع وتدهور في الخدمات الأساسية وازدياد الاحتياجات الإنسانية.
ولعل المرحلة المقبلة تستدعي توسيع نطاق هذه المبادرات لتشمل بصورة أكبر مناطق اللاجئين والنازحين والعالقين في المعابر، حيث تتضاعف الاحتياجات الإنسانية وتتطلب مزيداً من التنسيق والدعم.
المرأة.. شريك أساسي في العمل الإنساني
ومن خلال هذه التجربة، أرى أهمية أن تتوسع الجمعية في إشراك المرأة السودانية في التخطيط والتنفيذ للأعمال الخيرية والإنسانية، لما تمتلكه من قدرات وخبرات أثبتت جدارتها في الداخل والخارج.
فالمرأة تمثل نصف المجتمع، وقد أثبتت التجارب السودانية في مختلف مواقع العمل الأهلي والمجتمعي أن مشاركتها الفاعلة تضيف الكثير إلى جودة المبادرات وقدرتها على الوصول إلى الفئات المستهدفة.
وقد عايشت هذه التجربة بصورة مباشرة خلال عملي في مدينة الرياض، عندما كنت رئيساً للجالية السودانية والملتقى الثقافي الاجتماعي، حيث كان للمرأة السودانية دور كبير في التخطيط وتنفيذ العديد من المشروعات والمبادرات التي قامت بها الجالية.
كما أن من المهم أن تحرص الأجيال الحالية من أبناء وبنات السودان في المهجر على نقل ثقافة المبادرة والعمل التطوعي إلى أبنائهم، حتى تستمر هذه الروح ويتحول العمل الإنساني إلى قيمة راسخة تتوارثها الأجيال.
السودان في وجدان أبنائه
إن تجربة الجمعية السودانية الأمريكية في شيكاغو تقدم نموذجاً مضيئاً لما يمكن أن يفعله السودانيون في المهجر عندما تتوحد الجهود وتتجه الطاقات نحو خدمة الإنسان والوطن.


