السعودية والسودان.. تاريخٌ من الأخوة ووفاءٌ يتجدَّد في اليوم الوطني السعودي
د. حسين حسن حسين
حين نقلب صفحات الزمن، ندرك أنَّ ميلاد المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيَّب الله ثراه.
لم يكن توحيد لأراضٍ مترامية الأطراف فحسب، أو جمعٍ لجغرافيا متباعدة تحت راية واحدة، بل كان مشروعًا تاريخيًّا لبناء دولة حديثة في مرحلة بالغة التعقيد من تاريخ العالم؛ مرحلة عصفت بها الحروب، وتهاوت فيها إمبراطوريات، وتبدَّلت موازين القوى، وتشكَّلت خلالها خريطة سياسية جديدة للعالم.
وفي ذلك السياق المضطرب، استطاع الملك عبدالعزيز أن يؤسس كيانًا سياسيًّا تتكامل فيه مقوِّمات الدولة، وتترسَّخ فيه دعائم الأمن والاستقرار، وتتشكَّل مؤسساته على قاعدة من التدرُّج والحكمة وحسن قراءة التحوُّلات.
ولم يكن التوحيد نهاية المشروع، بل كان نقطة البداية في مسيرة طويلة لبناء الدولة، وتعزيز حضورها، وترسيخ مكانتها.
وإذا كان هذا الإنجاز قد وضع الأساس، فإنَّ ما تلاه من عهود ملوك المملكة أسهم في ترسيخ البناء وتطوير مؤسسات الدولة، وتوسيع آفاقها، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، الذي اقترنت تجربته الطويلة في دولاب الحكم منذ الصبا برؤية تستوعب التحوُّلات الإقليمية والدولية، وتحافظ في الوقت نفسه على ثوابت المملكة ومكانتها ودورها.
وفي قلب هذا التحوُّل، جاءت ترجمة رؤية السعودية 2030 برعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لتفتح فصلًا جديدًا في مسيرة التنمية السعودية، مستندة إلى طاقات الشباب، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز الابتكار، والاستثمار في الإنسان، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والتنمية والمستقبل. ولم تعد التنمية تُقاس بحجم المشروعات وحده، وإنما بقدرتها على بناء مجتمع أكثر حيوية، واقتصاد أكثر تنوعًا، ودولة أكثر قدرة على المنافسة في عالم سريع التحوُّل.
وتبرز الرياض، في هذا السياق، بوصفها أحد أكثر الشواهد وضوحًا على هذا التحوُّل؛ إذ تتغيَّر ملامح المدينة بوتيرة متسارعة، وتتقاطع فيها مشاريع البنية التحتية والثقافة والسياحة والاقتصاد والبيئة والتقنية، لتتحوَّل العاصمة إلى فضاء مفتوح لتجارب جديدة في التخطيط الحضري وجودة الحياة والابتكار، بما يعكس الطموح الأوسع للمملكة في أن يكون لها حضور مؤثر في صناعة مستقبل المنطقة والعالم.
غير أنَّ قصة المملكة لا تختزل في الاقتصاد والتنمية والعمران وحدها؛ فهناك بُعد إنساني وأخوي ظلَّ حاضرًا في علاقاتها مع الشعوب والدول، ومن بينها السودان الذي تجمعه بالمملكة روابط تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة.
وفي أصعب الظروف التي مرَّ بها السودان خلال السنوات الأخيرة، وجد السودانيون في المملكة مساحة للأمان والاستقرار، ووجدت أعداد كبيرة منهم أبوابًا مفتوحة واحتضانًا إنسانيًّا في وقت كانت فيه الحرب تضيق على الناس سبل الحياة.
كما اضطلعت المملكة بأدوار دبلوماسية وإنسانية في التعامل مع الأزمة السودانية، انطلاقًا من علاقاتها بالسودان ومسؤوليتها الإقليمية، فضلًا عن مكانتها الخاصة في وجدان السودانيين.
ومن هنا، فإنَّ الوفاء لهذا العطاء لا ينبغي أن يقتصر على مشاعر الامتنان، مهما كانت صادقة، بل ينبغي أن يتحوَّل إلى مسؤولية معرفية ومهنية؛ مسؤولية تقع على عاتق الإعلاميين والباحثين والنخب السودانية في توثيق جوانب هذه العلاقة، ورصد المواقف والمبادرات والوقائع كما هي، بما يحفظ للتاريخ دقته وللشهادة مصداقيتها.
فالإعلام حين يوثِّق للعلاقات الإنسانية بين الشعوب لا يمارس مجاملة عابرة، وإنما يحفظ جزءًا من الذاكرة المشتركة للأمم.
ومن حق الأجيال المقبلة أن تعرف كيف وقفت الدول والشعوب إلى جانب بعضها بعضًا في أوقات الرخاء والشدة، وأن تدرك أن العلاقات بين السودان والمملكة العربية السعودية ليست وليدة ظرف سياسي عابر، وإنما تمتدُّ جذورها في التاريخ والجغرافيا والمجتمع والمصالح والروابط الإنسانية.
وفي اليوم الوطني السعودي، لا نستحضر فقط ذكرى التأسيس والتوحيد، وإنما نستحضر أيضًا مسيرة دولة انتقلت، عبر عقود، من تحدِّيات البدايات إلى آفاق المستقبل، وحافظت على ثوابتها وهي تعيد صياغة أدواتها وتوسِّع طموحاتها. وهي مسيرة تجعل من هذه المناسبة فرصة للتأمل في معنى بناء الدول، وفي قيمة الاستقرار، وفي قدرة الإرادة السياسية حين تتصل برؤية واضحة ومؤسسات قادرة على تحويل الطموح إلى واقع.
ومن السودان، الذي يحمل للمملكة كثيرًا من مشاعر التقدير والامتنان، تبقى التهنئة في اليوم الوطني أكثر من تحية عابرة؛ إنَّها تحية لشعب شقيق، وتقدير لمسيرة وطن، ودعاء بأن تواصل المملكة مسيرتها نحو مزيد من التنمية والازدهار، وأن يظلَّ ما يجمع الشعبين السعودي والسوداني من أخوة ومودة وتاريخ مشترك جسرًا متينًا للمستقبل.

